وخرجت الحروف إلى الناس كمصابيح تضئ الطريق وتنير عتمة الروح... لم يكن طريق الأدب دائما مفروشا بالورد، ولم يكن جزاء الأدب دوما الذهب. فقد تم حرق آلاف الكتب، ورمي آلاف في النهر، ونثر آلاف الأوراق في الشتات...في الزمن المعاصر أيضا، تعرّض الأدب للرقابة والصنصرة والمحاكمة... كما واجه القرصنة وتراجع القراءة وتقلص سوق الكتاب... لكنه أبدا لم يواجه منافسا قادرا على تقليد لغته وافتكاك مكانته ومحاكاة موهبته. فبين الكاتب والصفحة البيضاء تسربت "الخوارزميات" لتحاول إغراء الكثيرين بمجاراتها كما تشتهي رياحها، لتحط سفينة الكاتب رحالها على شاطئ "الآلة" الملغوم بأكثر من شبهة.
كانت رواية «إما هذا وإما الموت» للكاتب الكندي من أصل هايتي ثيليسون أوريليان في طريقها للفوز المرجح بجائزة «غونكور»، بعد أن باعت أكثر من 35 ألف نسخة، وفازت بجائزة «فناك» واحتلت سوق الكتب الخريفي في فرنسا. لكن سرعان ما أدّت اتهامات لكاتبها باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها إلى إخراجها من قائمة «غونكور».
أمام هذا الاتهام، وصفت «دار غراسيه» الناشرة الفرنسية للرواية الأمر بالشائعات. وأرجعت بعض المصادر القضية إلى خلفيات عنصرية وإلى دوافع خفية وراء الحملة اعتبارا لأصول الكاتب الهايتية ولون بشرته السمراء. وقد نفى الكاتب نفسه اللجوء إلى الآلة، مؤكدا أنّ الرواية من قلمه وحده.
ما بين الاتهام ونفي الاتهام، تكمن المفارقة الكبرى في صعوبة التمييز ومعرفة مصدر الرواية هل هو إنسان أم آلة. فحتى أدوات الكشف للذكاء الاصطناعي عجزت عن الحسم. فأداة تقول إنّ النص بشري، وأخرى تؤكد أنه آلي، وثالثة تتردد بين الاثنين. فكأننا أمام محكمة لا يثق أحد في شهودها.
قد يثبت صاحب «إما هذا وإما الموت» براءته، وقد يفقد الدليل على أثره البشري في كتابة الرواية، لكن الاخطر أن الشك نفسه أصبح عقوبة. فحتى لو أثبت كاتب ما أنه لم يستخدم الذكاء الاصطناعي، فإنّ مجرد توجيه الاتهام إليه قد يظل عالقاا باسمه سنوات طويلة.
لعل من الأخلاقيات الجديدة اليوم بين الكاتب والقراء، والمبدع والجمهور عموما هو مبدأ الشفافية .فإذا كان النص نتاج تعاون بين الإنسان والآلة، فمن حق القارئ أن يعرف ذلك. وله بعد ذلك أن يحكم على الأثر بالقبول أو الرفض.
تبدو القضية أكبر من كاتب كندي أو بجائزة فرنسية أو برواية أثارت الجدل. إنها تتعلق بنا جميعا حين نتحدث عن اغتيال الإحساس العذب بأن وراء كل نص عظيم روحا بشرية حاولت أن تقول العالم. وربما يكون التحدي الحقيقي للأدب في القرن الحادي والعشرين هو المحافظة على روح نص أبدعها كاتب من لحم ودم وليس مجرد خوارزمية تتقن تقليد البشر.